الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

262

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

خبران لمبتدأ محذوف ضمير الْواقِعَةُ [ الواقعة : 1 ] ، أي هي خافضة رافعة ، أي يحصل عندها خفض أقوام كانوا مرتفعين ورفع أقوام كانوا منخفضين وذلك بخفض الجبابرة والمفسدين الذين كانوا في الدنيا في رفعة وسيادة ، وبرفع الصالحين الذين كانوا في الدنيا لا يعبئون بأكثرهم ، وهي أيضا خافضة جهات كانت مرتفعة كالجبال والصوامع ، رافعة ما كان منخفضا بسبب الانقلاب بالرجّات الأرضية . وإسناد الخفض والرفع إلى الواقعة مجاز عقلي إذ هي وقت ظهور ذلك . وفي قوله : خافِضَةٌ رافِعَةٌ محسن الطباق مع الإغراب بثبوت الضدّين لشيء واحد . [ 4 - 7 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 4 إلى 7 ] إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ( 4 ) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ( 6 ) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ( 7 ) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ بدل من جملة إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ [ الواقعة : 1 ] وهو بدل اشتمال . والرّج : الاضطراب والتحرك الشديد ، فمعنى : رُجَّتِ رجّها راجّ ، وهو ما يطرأ فيها من الزلازل والخسف ونحو ذلك . وتأكيده بالمصدر للدلالة على تحققه وليتأتى التنوين المشعر بالتعظيم والتهويل . والبسّ يطلق بمعنى التفتت وهو تفرّق الأجزاء المجموعة ، ومنه البسيسة من أسماء السويق أي فتّتت الجبال ونسفت فيكون كقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً [ طه : 105 ، 106 ] . ويطلق البسّ أيضا على السّوق للماشية ، يقال : بسّ الغنم ، إذا ساقها . وفي الحديث : « فيأتي قوم يبسّون بأموالهم وأهليهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » فهو في معنى قوله تعالى : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [ الكهف : 47 ] ، وقوله : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ [ النبأ : 20 ] وتأكيده بقوله : بَسًّا كالتأكيد في قوله : رَجًّا لإفادة التعظيم بالتنوين . وتفريع فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا على بُسَّتِ الْجِبالُ لائق بمعنيي البسّ لأن الجبال إذا سيّرت فإنما تسيّر تسييرا يفتتها ويفرقها ، أي تسيير بعثرة وارتطام . والهباء : ما يلوح في خيوط شعاع الشمس من دقيق الغبار ، وتقدم عند قوله تعالى : فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً في سورة الفرقان [ 23 ] .